ابن تيمية

33

مجموعة الفتاوى

وَأَمَّا أَهْلُ الْكَلَامِ : فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ الْجِسْمُ هُوَ الْمَوْجُودُ ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : هُوَ الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : هُوَ الْمُرَكَّبُ مِن الجَوَاهِرِ الْمُفْرَدَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : هُوَ الْمُرَكَّبُ مِن المَادَّةِ وَالصُّورَةِ وَكُلُّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ : إنَّهُ مُشَارٌ إلَيْهِ إشَارَةً حِسِّيَّةً وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : لَيْسَ مُرَكَّباً مِنْ هَذَا وَلَا مِنْ هَذَا بَلْ هُوَ مِمَّا يُشَارُ إلَيْهِ وَيُقَالُ : إنَّهُ هُنَا أَوْ هُنَاكَ ؛ فَعَلَى هَذَا إنْ كَانَتْ الرُّوحُ مِمَّا يُشَارُ إلَيْهَا وَيَتْبَعُهَا بَصَرُ الْمَيِّتِ - كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّ الرُّوحَ إذَا خَرَجَتْ تَبِعَهَا الْبَصَرُ وَأَنَّهَا تُقْبَضُ وَيُعْرَجُ بِهَا إلَى السَّمَاءِ } - كَانَتْ الرُّوحُ جِسْماً بِهَذَا الِاصْطِلَاحِ وَالْمَقْصُودُ : أَنَّ الرُّوحَ إذَا كَانَتْ مَوْجُودَةً حَيَّةً عَالِمَةً قَادِرَةً سَمِيعَةً بَصِيرَةً : تَصْعَدُ وَتَنْزِلُ وَتَذْهَبُ وَتَجِيءُ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِن الصِّفَاتِ ، وَالْعُقُولُ قَاصِرَةٌ عَنْ تَكْيِيفِهَا وَتَحْدِيدِهَا ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُشَاهِدُوا لَهَا نَظِيراً . وَالشَّيْءُ إنَّمَا تُدْرَكُ حَقِيقَتُهُ بِمُشَاهَدَتِهِ أَوْ مُشَاهَدَةِ نَظِيرِهِ . فَإِذَا كَانَتْ الرُّوحُ مُتَّصِفَةً بِهَذِهِ الصِّفَاتِ مَعَ عَدَمِ مُمَاثَلَتِهَا لِمَا يُشَاهَدُ مِن المَخْلُوقَاتِ : فَالْخَالِقُ أَوْلَى بِمُبَايَنَتِهِ لِمَخْلُوقَاتِهِ مَعَ اتِّصَافِهِ بِمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ ؛ وَأَهْلُ الْعُقُولِ هُمْ أَعْجَزُ عَنْ أَنْ يَحُدُّوهُ أَوْ يُكَيِّفُوهُ مِنْهُمْ عَنْ أَنْ يَحُدُّوا الرُّوحَ أَوْ يُكَيِّفُوهَا .